الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
98
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
اعتضاده بعدم ظهور خلاف فيه بينهم وقد اكتفي بما دون ذلك في مباحث الألفاظ فلا مجال لإنكاره في المقام مضافا إلى تقديم قول المثبت على النافي وبعد فرض تكافؤ القولين ينبغي ترجيح قول المثبت أيضا وليس في المقام دليل على النفي سوى الأصل ففي الحقيقة لا معارض لأقوال المثبتين فمرجع هذا الوجه عند التأمل إلى وجوه ثلاثة الإجماع المنقول المعتضد بعدم ظهور الخلاف والشهرة وتقديم قول المثبت ومنها الاستقراء فإن من تتبع موارد استعمالات كثير من الألفاظ المستعملة في المعاني الجديدة كالصلاة والزكاة والصوم والحج والوضوء والغسل ونحوها وجد استعمال الشارع لها في تلك المعاني على نحو استعمال الحقائق بحيث يحصل الظن من ملاحظة استعمالاتها بالبناء على النقل والحاصل أنه يفهم ذلك من ملاحظة الاستعمالات الشرعية على نحو ما يفهم من أوضاع اللغة ونحوها من ملاحظة استعمالات العرب وأرباب الاصطلاح ويعبر عنه بالترديد بالقرائن وذلك طريقة جارية في فهم الأوضاع بل هو الغالب في معرفة اللغات فيستفاد من ذلك ثبوت الحقيقة الشرعية في الألفاظ التي يحصل الاستقراء في موارد استعمالاتها دون جميع الألفاظ مما فرض فيه النزاع وحينئذ فلا بد في تتميم الدليل من ملاحظة عدم القول بالفصل حسبما مرت الإشارة إليه وهناك طريق آخر للاستقراء يستفاد منه شمول الحكم للكل تقريره أن المستفاد من تتبع الألفاظ وملاحظة نقل الشارع بجملة منها إلى المعاني الجديدة هو بناء الشارع فيما يعبر عنه من المعاني الجديدة المتداولة على نقل اللفظ إليها وتعيين تلك الألفاظ للتعبير عن تلك المعاني كيف والأمر الباعث على النقل فيما عرفت نقلها بالاستقراء المذكور أولا هو الباعث على النقل في الباقي وبالجملة أن استفادة ذلك من ملاحظة جملة من الألفاظ المذكورة غير بعيد لمن تأمل في المقام بعد استنباط جهة النقل فيها من استقراء خصوصياتها وفيه أيضا طريق ثالث يستفاد منه أيضا عموم الوضع وهو أنا إذا تتبعنا واستقرأنا طريقة أرباب العلوم المدونة كالنحو والتصريف والبيان وغيرها وكذا أرباب الحرف والصناعات على كثرتها وجدناهم قد وضعوا ألفاظا خاصة بإزاء كل ما يحتاجون إلى بيانها ويتداول بينهم ذكرها لئلا يقع الخلط والاشتباه ولا يطول المقام بذكر القرينة من غير طائل ومن البين أن اهتمام الشارع في بيان الشريعة أعظم من اهتمامهم في حرفهم وصنائعهم وملاحظته للحكم أكثر من ملاحظتهم والاحتياج إلى أداء تلك المعاني أعظم من الاحتياج إليها والاهتمام بشأنها أشد من الاهتمام بغيرها وقضية ذلك وقوع النقل من صاحب الشريعة بالأولى وبالجملة أن المستفاد من استقراء الحال في سائر أرباب الصناعات العلمية والعملية الظن بوقوع ذلك عن صاحب الشريعة أيضا فمرجع الاستقراء أيضا إلى وجوه ثلاثة وإن كان الوجه الأول عنها مأخوذا في الثاني ومنها أن ذلك هو المستفاد مما ورد في الأخبار في بيان جملة منها كقوله عليه السلام الصلاة ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود والتعبير بنحو ذلك وما يقرب منها كثير في الأخبار وقد وردت في عدة من الألفاظ وهو ظاهر فيما قلنا فإن ظاهر الحمل قاض بكونه حقيقة في المعنى المذكور كما يستفاد ذلك من تعبيرات أهل اللغة والحكمة فإن من المقرر في مباحث الألفاظ أن كل معنى يشتد إليه الحاجة يجب في الحكمة وضع لفظ بإزائه ومن البين شدة الحاجة إلى المعاني الجديدة الشرعية وكثرة دورانها في الشريعة فكيف يحمل الشارع الحكيم وضع الألفاظ بإزائها مع ما يرى من شدة اهتمامه بالشريعة ومعظم حاجة الناس إليها وقوام أمور الدين والدنيا بها ومنها أن جملة من تلك الألفاظ قد صارت حقائق في المعاني الشرعية في الشريعة السابقة كالصلاة والصوم والزكاة وقد عبر بها في القرآن حكاية عن الأنبياء السابقين وهو معلوم أيضا من الخارج فهي حقيقة فيها قبل مجيء هذه الشريعة أيضا وما يورد عليه من مخالفة هذا اللسان للغاتهم فغاية الأمر أن يكون المعاني المستحدثة عندهم ألفاظا موضوعة من لغاتهم ولا يلزم من ذلك وضع هذه الألفاظ بإزائها ومن أن هذه المعاني أمور جديدة لم يكونوا يعرفونها وإنما أتي بها في شرعنا وعلى فرض كون هذه الألفاظ حقيقة في المعاني الثابتة في شرائعهم لا يثبت به كونها حقيقة فيما يثبت في شرعنا بل لا بد في ثبوته عندنا من وضع جديد مدفوع أما الأول فبأن الظاهر أن العرب كانوا يعبرون عنها بهذه المعاني ولذا وقع التعبير بها في الكتاب العزيز وقد كان كثيرا من العرب متدينين ببعض تلك الأديان وكانت الألفاظ معروفة عندهم وإن كان معبر عنها في أصل شرعهم من غير اللغة العربية وأما الثاني فبما مرت الإشارة إليه من أن الاختلاف إنما وقع في المصداق كاختلاف كثير من تلك العبارات في شرعنا بحسب اختلاف الأحوال وأما المفهوم العام المأخوذ في وضع تلك الألفاظ فهو يعم الجميع فقد ظهر مما قررناه من الوجوه قوة القول بالثبوت مطلقا ولو نوقش في استقلال كل واحد من الوجوه المذكورة في إفادة الظن فلا مجال للإنكار بعد ضم بعضها إلى البعض لحصول المظنة بمؤدّيها وهي كافية في المقام قطعا بل لا يكتفي عما دون ذلك وأما حجج القائلين بالتفاصيل المذكورة فهي مبنية على كون الوضع فيها تعيينا لا تعينا فيختلف الحال فيه باختلاف الألفاظ في شدة الحاجة وكثرة الدوران وعدمها وطول المدة وقصرها وكل ذهب على حسب ما اعتقده في البلوغ إلى حد الحقيقة نعم التفصيل بين العبادات والمعاملات ليس مبنيا على ذلك وإنما احتج عليه بأن ألفاظ المعاملات باقية على معانيها اللغوية ولم يستعملها الشارع في معان جديدة وإنما ضم إلى معانيها اللغوية وشرطا لصحتها من غير أن يعتبر ذلك في تسميتها ولذا يرجع فيها إلى العرف ولا يتوقف تفسيرها على توقيف الشارع بخلاف العبادات لكونها من الأمور المجعولة الشرعية والماهيات المقررة عن صاحب الشريعة ولذا حكموا بأنها توقيفية يعنون به توقيفية موضوعاتها وإلا فالأحكام توقيفية في العبادات والمعاملات من غير فرق اتفاقا فالألفاظ الدالة عليها موضوعة بالأوضاع الشرعية على خلاف المعاملات ويدفعه أن المناط في المقام حسبما ذكره وتقدمت الإشارة إليه هو كون المعنى من الأمور المجعولة الشرعية دون المعاني القديمة الثابتة قبل الشريعة لكن لا اختصاص لذلك بالعبادات كما زعمه إذ للشارع في غيرها أيضا ماهيات مخترعة وأمور مجعولة لم يكن قبل ورود الشريعة كالإيمان والكفر والطهارة والنجاسة والفسق والعدالة والخلع والإيلاء واللعان ونحوها فلا اختصاص في المعاني المستحدثة بالعبادات ولا يمتاز العبادة بذلك عن غيرها بل لا امتياز لها إلا بالتوقف على القرينة